مجمع البحوث الاسلامية

375

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

1 - فسّروه بمعان ، منها : تبيّن ، ووضح ، وانكشف ، وبرز ، وبان ، وظهر ، وثبت واستقرّ ، وكلّ ذلك من قولهم : حصحصت التّراب ، أي حرّكته وفحصته يمينا وشمالا ، أو من : حصحص البعير إذا لزق ركبتيه في التّراب حين النّهوض حتّى يثبتا ويستقرّا فيه . 2 - قال الزّمخشريّ : « قرئ ( حصحص ) على البناء للمفعول ، وهو من : حصحص البعير ، إذا ألقى ثفناته للإناخة » . والقراءة المشهورة أنسب للحال وأبين للمقال ، لأنّ زليخا وقفت موقفا أبانت فيه الحقّ ، وكشفت ما خفي من أمرها وأمر يوسف ، ولا يستقيم ذلك إلّا بمعنى واضح ومعلوم مثل : ( حصحص ) ، وليس بمعنى مبهم ومجهول نحو « حصحص » ، ولم يقرّه الخليل أيضا . 3 - جاءت ( حصحص ) وحيدة الجذر ، فريدة المعنى ، ونظيرها ( دمدم ) في قوله : فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاها الشّمس : 14 ، و ( عسعس ) : وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ التّكوير : 17 . وقال ابن معصوم في باب الفرائد : « هذا النّوع يختصّ بالفصاحة دون البلاغة ، لأنّه عبارة عن الإتيان بلفظة فصيحة ، تتنزّل منزلة الفريدة من القصيدة ، وهي الجوهرة الّتي لا نظير لها ، تدلّ على عظم فصاحة المتكلّم وقوّة عارضته ، وجزالة غريبته ؛ بحيث لو أسقطت من الكلام عري من الفصاحة ، كقوله تعالى : الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ ، فلفظة ( حصحص ) فريدة يعسر على الفصحاء الإتيان بمثلها في مكانها » . ثانيا : أرجع الطّبريّ والزّجّاج والطّوسيّ ( حصحص ) إلى « ح ص ص » ، فقال الطّبريّ : « أصل الحصّ استئصال الشّيء ، يقال منه : حصّ شعره ، إذا استأصله جزّا ، وإنّما أريد في هذا الموضع ( حصحص الحقّ ) ذهب الباطل والكذب فانقطع ، وتبيّن الحقّ فظهر » . وقال الزّجّاج : « اشتقاقه في اللّغة من « الحصّة » ، أي بانت حصّة الحقّ وجهته من جهة الباطل » . وهو مذهب ذهب إليه بعض اللّغويّين ومنهم ابن فارس ، فقال في باب ما جاء من كلام العرب على أكثر من ثلاثة أحرف أوّله باء : « اعلم أنّ للرّباعيّ والخماسيّ مذهبا في القياس يستنبطه النّظر الدّقيق ؛ وذلك أنّ أكثر ما تراه منه منحوت ، ومعنى النّحت أن تؤخذ كلمتان وتنحت منهما كلمة تكون آخذة منهما جميعا بحظّ ، والأصل في ذلك ما ذكره الخليل من قولهم : حيعل الرّجل ، إذا قال : حيّ على « 1 » » . ثالثا : ينبئ الفعل ( حصحص ) بصيغته أنّه يفيد المبالغة والزّيادة في الظّهور والبيان ، قال الصّغانيّ : « الحصحصة : أن يلزق الرّجل بك ويلحّ عليك » ، وقال ابن سيده : « رجل حصحص وحصحوص : يتتبّع دقائق الأمور فيعلمها ويحصيها ، والحصحصة : بيان الحقّ بعد كتمانه وقد حصحص ، ولا يقال : حصحص » . وكما أنّ ( حصحص ) فريد في معناه ، فهو وحيد في لفظه كذلك ، إذ كرّر فيه الحاء والصّاد على « فعلل » ، وكلاهما حرف مهموس رخو ، ويفوق الصّاد نظيره بأنّه من حروف الصّفير الّتي تتّصف بدرجة كبيرة من الرّخاوة والاتّساع ، فتضافر اللّفظ والمعنى في صياغته .

--> ( 1 ) مقاييس اللّغة ( 1 : 328 ) .